ابراهيم بن عمر البقاعي
545
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما ذكر هذا العلم العظيم ، ذكر ما هو أعم منه فقال : وَأَنَّ أي ولتعلموا أن اللَّهُ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما الذي فعل ذلك فتم له بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * وإلّا لما أثبت جميع مقتضيات ذلك ونفى جميع موانعه حتى كان ، ولقد اتخذ العرب - كما في السيرة الهشامية وغيرها - طواغيت ، وهي بيوت جعل لها سدنة وحجابا وهدايا أكثروا منها ، وعظمت كل قبيلة ما عندها أشد تعظيم وطافوا به فلم يبلغ شيء منها ما بلغ أمر الكعبة المشرفة ولا قارب ، ليحصل العلم بأنه سبحانه لا شيء مثله ولا شريك له . [ سورة المائدة ( 5 ) : الآيات 98 إلى 101 ] اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 98 ) ما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ ( 99 ) قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ( 100 ) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْها وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ ( 101 ) ولما أنتج هذا كله أنه على كل شيء قدير لأنه بكل شيء عليم ، وكانت هذه الآية - كما تقدم - ناظرة إلى أول السورة من آية لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ [ المائدة : 2 ] وما بعدها أتم نظر ، ذكر سبحانه ما اكتنف « 1 » آية حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ [ المائدة : 3 ] من الوعيد الذي ختم به ما قبلها والوعد الذي ختمت هي به في هذه الآية على ترتيبه ، سائقا له مساق النتيجة والثمرة لما قبله ، بيانا لأن من ارتكب شيئا من هذه المنهيات كان حظه ، فقال محذرا ومبشرا لأن الإيمان لا يتم إلّا بهما : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ أي الذي له المعظمة كلها الذي نهاه عنها شَدِيدُ الْعِقابِ فليكن عباده على حذر منه ، وأن من أوقعه في شيء منها القدر ، ثم فتح له التوفيق باب الحذر ، فكفر فيما فيه كفارة وتاب ، كان مخاطبا بقوله : وَأَنَّ أي واعلموا أن اللَّهَ أي الذي له الجلال والإكرام مع كونه شديد العقاب غَفُورٌ رَحِيمٌ * يقبل عليه ويمحو زلله ويكرمه ، فكان اكتناف أسباب الرجاء سابقا للإنذار ولاحقا معلما بأن رحمته سبقت غضبه وأن العقاب إنما هو لإتمام رحمته ، قال ابن الزبير : ثم قال جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ [ المائدة : 97 ] - فنبه على سوء العاقبة في منع البحث على التعليل وطلب الوقوف على ما لعله مما استأثر اللّه بعلمه ، ومن هذا الباب أتى على بني إسرائيل في أمر البقرة وغير ذلك ؛ وجعل هذا التنبيه إيماء ، ثم أعقبه بما يفسره يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ [ المائدة : 101 ] - ووعظهم
--> ( 1 ) كنفه : حاطه وصانه وكنّفوه تكنيفا : أحاطوا به والكنيف : الساتر ا ه مختار .